المقريزي
مقدمة 48
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
لأبي إسحاق الشّيرازي ببغداد سنة 456 ه / 1064 م ليتفقّه عليه ، وذلك قبل ثلاث سنوات من إنشاء المدرسة النّظاميّة ، يقول ابن الجوزي على لسانه : « فنزلت في خان حذاء مسجد أبي إسحاق بباب المراتب - وكان يسكنه أصحاب الشّيخ ومن يتفقّه عليه - فإذا كثرنا كنّا حوالي العشرين وإذا قلّ عددنا كنّا حوالي العشرة . وكان الشّيخ أبو إسحاق يذكر « التّعليقة » في أربع سنين ، فيصير المتفقّه في هذه الأربع سنين فيها مستغنيا عن الجلوس بين يدي أحد ، وكان يذكر درسا بالغداء ودرسا بالعشي . فلمّا كانت سنة ستين [ وأربع مائة ] عبرت إلى الجانب الغربي إلى الشّيخ أبي نصر بن الصّبّاغ قرأت عليه « الشّامل » ، ثم عدت إلى أبي إسحاق فلازمته إلى حين وفاته » « 1 » . ويتّفق الباحثون في العموم على أنّ « المدرسة » بمعنى الكلمة نشأت تلبية لثلاثة اعتبارات أساسية : أوّلا : لدعم الإسلام السّنّي في مواجهة التّحدي الشّيعي في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ، الذي يحقّ لنا أن نسمّيه « عصر انتصار الشّيعة » ، ففيه تحكّم البويهيّون الشّيعة في إمبراطورية عريضة كان مركزها العراق وفرضوا سيطرتهم على الخليفة العبّاسي السّنّي في بغداد ، ومدّ الفاطميون الإسماعيليّون نفوذهم على مصر والشّام وشمال إفريقيا وجزيرة صقلّيّة ، وقام دعاتهم بدور نشط في طول الأراضي العبّاسية وعرضها تدعمهم العديد من المؤسّسات الشّيعية مثل : الجامع الأزهر ودور العلم التي كانوا يتلقّون فيها تدريبات خاصّة . في هذا الوقت كان السّلطان محمود الغزنوي وأخوه الأمير نصر بن سبكتكين هما المدافعين عن السّنّة ، وبدأا في إنشاء المدارس الأولى في مشرق العالم الإسلامي في نيسابور ومرو وبخارى ، كالمدرسة البيهقيّة والمدرسة السّعديّة ومدرسة ابن فورك . ثانيا : إعداد كوادر موالية للدّولة عن طريق تأييد المذاهب الفقهيّة الأربعة ، بحيث أصبحت هذه المدارس بمثابة مؤسّسات رسمية لتخريج القضاة وكتّاب بيت المال والوزراء وغيرهم من الموظّفين الرّسميين .
--> ( 1 ) ابن الجوزي : المنتظم 10 : 37 ، Makdisi , G . , op . cit . , p . 30